على الضحكات تسهر الأحزان
خلف الضباب , على أرصفة الطرقات , أتنشق عبير المساء,
وراء نوافذي الليلية تعلو النجوم المضيئة لتواسي الأفئدة الضائعة.
ترتسم أمام ناظري ظلال الملائكة , بأجنحتها و قوامها الجميل , لتقترب و تهمس بصوتها الرقيق , على مسامعي , صوت غريق , مختنق , حارق المسمع.
و مع قبلتها الأولى, و أنفاسها العطرة , تراقصت من حولي أوراق الخريف المتساقطة , و أدمعت عيون السحاب الجارية.
حيث الليل يترنح سكرانا منتشيا , من خمرة الفرح , و
كؤوس تعلو الرؤوس و تتضارب , كأجراس الكنائس في يوم الزفاف .
دنوت قليلا لأرسم بهجتهم في مقلتي , متعلما و إياهم الابتسامة لعلها , تذهب عني ثوب الكآبة , وتلبسني زينة العيد .
هل أخطأت حينما اقتربت , ودنوت منهم , أم خطأي كان حيثما اتخذت من الطبيعة منزلي و عنواني , و معلمي , و أصواتها الليلية و روحها النابضة حروفي .
أم يكمن على ضفاف الأنهار و شواطئ البحار , مع صفاء مائها و نقائها, دون ذلك تكون مريرة الطعم جارحةً للحلق .
أم هناك سوءٌ , لأنني عشقت السفر و التشرد بأفكاري بعيدا عن الصور البشرية ألمشوّهه , هناك حيث يقع التجرد و تعزف أوتار الإنسانية , حيثما أجد لكل سؤال عنوانً , وجوابً.
خلقت في داخلي تمردا , من بساطتها , من رقتها أشعلت حيرتي , و قذفتني على دروب الضياع بين الخطأ و الصواب .
بين الكذب و الصدق , بين الانحطاط و الرقي .
بين عراقيل الحياة المادية و دوّي المصانع الصاخبة , وشركاتها الفخمة , و الأوراق المكدسة و ضجيج العربات و أصوات السفن خلف الأفق.
أجد فسحة يملؤها السكون و الصمت , تتنازع روحي للقائها بلهفة العاشق , لاستماع أقاصيصها , عبر البحار المضطربة و أحاديث البحارة و مغامراتهم , منذ أن كانوا يلقون بفتياتهم الحسناوات لكي يشفع لهم البحر و يسمح لهم بالعبور.
إلى أن أصبحت تمزق حواف سفنهم خيوط البحار , تشق طريقا بجبروت يسخر من قوى الطبيعة التي هزمها البشر , لفترة أو حقبة من الزمن .
تقص لي عبر تناثر صفحاتها , كيف أن البشر كان يقدس الكائنات الأخرى التي تشاركه الحياة على الأرض , و بعد أن سبق السيف العزل , و بعد تهديد الطبيعة بانقراضها و انتهاء الحياة على الأرض عاد الإنسان لكي يحترم أولئك الكائنات .
ترو ي لي عن حقبة الفرسان التي كانت تتباهى بصهيل خيولها , و فن اللعب بالسيف , و مهارة و براعة الخطط الحربية , حيث كان الرجل يواجه غريمه بقوة ذراعه , و تضع الحرب أوزارها دونه أن تسبب كوارث بيئية , و طفرات جينية .
لتنتهي مكاتب الزمان عبر قصص العشق من روميو و جولييت , عنتر و عبلة , إلى غرف الفنادق و البيوت المستأجرة , إلى متعة اللقاء خلف جذوع الأشجار , حيث تحفر الأسماء على اللحاء, إلى الأوراق التي تتساقط على جسد تلك المرأة التي باعت جسدها .
عتلت أمتعتي على ظهري , و سرت في دروب الزمان أبحث عبر خباياه عن حقيقتي , عن ضالتي , أريد معرفة المزيد عن أجوبة الكتب , و عندما تنهكني ثقل حمولتي أجثو تحت الأشجار أحتمي بظلها من حرارة السفر ,
أستمع لحفيف أوراقها لتناغم عباراتها , أحدق بجمالها , لو أننا ننظر أحيانا من خلفنا و حولنا , لو نظرنا إلى وجوهنا لنرى كم كانت أعيننا يملؤها الضباب .
حينها كسرت أقلامي و بعثرت صفحاتي , أحرقت كتبي و تنازلت عن جميع حقائقي حيث ضاعت معانيها .
كيف لكلمات زهيدة المعاني أن تروي اضطراب مشاعري و احتراق أفكاري , كيف لها أن تحجب عني عواصف الشتاء و تدثرني من برودة الوحدة و الخوف .
عندها أزلت ستائركم عن نوافذي , و إذ بنور ألهب وجهي , أشعل بركان ثورتي , أيقظ الكلمات من بين محابري .
عندها علمت أني سأصغي لأنين ضميري الصاحي , فأنه قاضي عادل الحكم , لا تخطأ سهامه, و تصيب لب الخطأ و تبرحه صريع الحقيقة و الصواب , لن أجبره على الصمت حين يجب أن يعلو صوته مسامع الحاضرين و يكتب ليشهد عليه أللغائبين .
لن أدعه يصمت كي أربح معاركي مع البشر , عسى أن لا أخسره كصديق , و ملهم , عسى ألا يترك أخوه طريح الأرض .
حيث كنت أجلس و الأفكار تضربني من اليمين و اليسار , أسمع صوتا خافتا , يلهب أذني و يحير فؤادي , فإذ بطائر يكسوه ريش ملون , لم تستطع يد فنان أن تخيط ألوانها ,
و أعين براقة لا تنضب من النظر إلي , و لوهلة تحركت شفتاه لتقول : يا شاحب الوجه , يا طويل اللحية , يا ذا الشعر الأجعد , لما كل هذا الضياع المتسرب من جسدك , لما كل هذه الحيرة , لعلك جننت , أو أنك أضعت دربك .
فبدمعة صافية تعلوها التنهيدات : لست مشردا , أو مجنونا لم أفقد ركيزتي , و لم أجن , و أنما ضاعت مني مفاتيح الحقيقة و سالت من بين أصابعي لتسقي الأرض من تحتي , لم أعد أميز بين الصواب و الخطأ , فقد تشابكت خيوطهما , حيث أدخلت نفسي في متاهة عجز عقلي عن حل مفرداتها , حتى شعرت أن ليس لها بوابة للهروب و لا سور لأقفز خلفه.
و بعد انقضاء ساعة من الحديث و الطائر يهمهم حتى ضاق ذرعا , حيث رفرف جناحيه, هائما على السفر التفت نحوي قائلا بسخرية لا توصف :
سأضحك كلما رأيت بشريا , يهيم على وجه الأرض سائل عن سبب الضياع , أنظر بداخلك لترى أنك من صنع مكعبات تلك المتاهة , لتعرف أنك عبارة عن أوهام يحيكها خيالك , بطريقة تشعرك بالعجز , عقلك هو الصانع , هو الذي يقتلك و يمشي في جنازتك مستهزئ بضعفك .
عندها لم أسمع منه ولا كلمة , و لكنه أذاع فيّ تساؤلات من طينة مختلفة , و بدأ شعاع النور يغزي عقلي ,
و تتفتح أعيني على سراديب كانت غافلة عن نظري .
و بعدها أكملت مسيرتي و أنا أفكر بما قاله ذلك الطائر , و حينما شردت عن الطريق اعترضني أسد كثيف الشعر بني اللون , ذات أنياب بيضاء , و إذ برجلي قد تسمرت في الأرض و ارتعشت أوصالي , حيث جال خيالي أني سأكون
وجبة سخية تحت أسنانه ,
و إذ بصرخة هزت من حولي الأعشاب و تطايرت من على أكتافي جدائل شعري .
حينها ترجل و قال : يا صاح لما كل ذاك الخوف , لما ترتعش أوصالك , لا تخف فقد أنهيت وجبتي الآن , لكن الذي جذبني اليك رائحة الضياع و الخوف , فقدمت لأسأل عنكم أنتم أيها البشر لما تخافون الموت , و انتم تعلمون أن الموت سعادة , راحة من التشرد و الأسى, أنه الحقيقة الملتمسة من الدنيا , لما تهلعون هاربين إلى أسرتكم البيضاء و تغطون وجوهكم , عندما يطرق أبوابكم.
حينها أسكنت قلبي السكينة عندما تكلم معي و كأني صديقا له :
سأقف و أتكلم معك الآن و لكني لا أضمنك غدا عندما يفتك بك الجوع ,.
نحن البشر نهاب الموت لأنه سارق بلا هوية يستحال محاكمته, يرمي بك خلف جدران النسيان طاويا و إياك صفحؤعلة الزمان , معه تنتهي الأحلام , معه تتلاشى الآمال
, وبعد أن أكثرت من ذاك الكلام ,
قاطعني قائلا:
لا تدع الخوف يستل قلبك , و ينهل عقلك فأنه حمى يذبح الأمل , و عنكبوت ينسج شبكته ليصطاد الفرح , ليزرع أمامك اليأس .
لعلك تعلم أن الموت حقيقة فامضي بأرجل حديدية , عبر عثرات الزمان , قف منتصبا حيثما تقع , لتعلم يوما أن الموت الشريف لا يتحقق دون أرجل حديدية .
لن أسرف بالكلام , حيث أعلم أنكم ستتخذون من الخوف صديقكم , ومن الإيمان راحتكم , و في التوكل مصيركم ,ترقدون مستريحين من أسفار خوفكم و ضعفكم على أسرة إيمانكم.
فامضي و لله ازدرءت من أكاذيبكم و ضعفكم , و ولى الأدبار دون أن ينظر نحوي , و كأني ورقة باليه أو شجرة هرمه تداعت أوصلها , و رجل حدد مصيره دون أن يقاوم.
كيف تنتهي القصة حيث كلما تقدمت خطوة تفتح أمامي أبواب , و مدن من المعرفة و التساؤلات كنت غائبا عن أثارها .
اختلجت الريبة في صدري حيث وجدت الضياع أمام عتبة منزلي يلقي بأحماله على كاحلي , و أثقلت صدري كلمات الأسد و ذاك الطائر الغريب المنظر , و أرجلي يضنيها السفر , و الليل يخيم على السماء .
بنيت كوخا من القصب و الاعشاب البرية , و جلست في ظله استرجع ما فاتني من العبارات و الأفكار التي لم تراود ذهني أثناء سفري , و إذ جال فكري , ليرسم صورا من الشرق و الغرب , من وراء القلاع و القصور الخالية إلى تلال الأسلحة و القنابل النووية و البيولوجية .
يا تلك المفارقة بين عذوبة الماضي و شفافيته و نضارته , و بين قسوة الحاضر و ضياعه , ودمار المستقبل .
بين معالم الفروسية و الشهامة , الكرامة , و المساعدة الآخرين و مناجاتهم , إلى عدم المبالاة بالآخرين و الكره و الحقد و القتل .
عبر السحاب تلاشت أفكاري , و أمطرت كسيل جارف الخطى , و بريق العبارات في رأسي يدوي مضاجع نومي و يقلق تفكيري , و يأخذني إلى بلاد تلك الدمى المنتشرة عبر أقاصي الأرض, تعشش في صدورها الفوضى حتى أسندوها عقيدة لهم في حياتهم ,و أخذوا يحاكمون غيرهم وفقها.
عندها يصبح القتل واجبا , الأعدام حقا , و السرقة عدالة , عندما يشرع كل واحد منا يقاضي الأخر على أفعاله , وفي سترة الليل نساير غرائزنا و نعطي لأنفسنا الحق .
عندها تصبح أعراض الأخرين مسبحة تتقاذفها ألسنتنا , و تجري الدماء الطاهرة على غطاء أبيض يستر عيبهم .
و إذ بصوت النهار يتهاوى كنسيم البحر العليل على أذني , و تلفح خيط الشمس المتناثرة عبر فجوات القصب وجهي و تداعبه ,
استفقت من أحلامي المتضاربة , و أكملت مسيرتي بخطى أقل استغرابا و تساؤلا , وعلى صخرة عالية لمحة طائر الحكمة ينبش ريشة من الحيوانات الصغيرة.
اقتربت منه بخطى خفيفة المداس , رقيقة الشعور عسى ألا يخاف مني , و عندما شعر بوجودي , رفرف متأهبا للطيران , و عيناه لا تبارحان أعيني , فشعر بنوع من الطمأنينة نحوي , وراح يتفحصني من قدماي حتى ارتفع
نظره نحوي مستغربا .
فقلت له بصوت جريء هادئ متزن :
أنت الذي أسمك رسم من حرف الحكمة , يا طائر الليل المسالم يا من فيك من المواعظ ما يثلج الصدر و يروي عطش السؤال ,ففي سلتي من مختلف الاستفسارات ما يكفي السنين لتجاوبني عنها , لذلك ابتدعت لنفسي طريق و وسيلة أبحث فيها عن ذاتي الضائعة بين سطور الكتب , بين مرادفات الزمان , أفتش عن قواميس الأنسانية عبر صفاء الروح , عن حلول تزيل حرقة القلب و مرارة الجهل .
بهزة رأس خفيفة , متفهما مقصدي و إلحاحي :
إننا يا صديقي في عصور الآلات ت الطّيارة , و المركبات الفضائية , و حروب المادية , و المصطلحات الاقتصادية , و السعي وراء الإمبراطوريات العظمى , و هناك لن تجد ما تبحث عنه , فتعال لأحضان أمك الطبيعة , فعندها تجد لكل سؤال عنوان , لن تجد نفسك معهم فدعهم , و أضرب ذاك الرجل المسترخي على كرسيك الهزاز الغافي , فمعه تصل لمكنونات الروح و تزدهر قصورك بالشفافية و الرؤى ,
فمعه تمتلئ جداولك بالطهارة , فمعه ستبقى الرابح دوما أمام ملاحم الدهر و مصائب الزمان , و لن تتعثر أمام مطباته , إنما ستبكي لبرهة على وحدتك المنصرمة و عزلتك المؤججة بنيران الحرية , و أعلم أننا نبني الضحكات على تلال الأحزان و الأتراح .....................................