المصدر : كيان جمعة
11/03/2009
200 مخالفة تقرر على إثرها إما توجيه إنذار لصاحب الصيدلية أو إغلاقها أو حتى إحالته إلى القضاء، هي محصلة عام واحد من محاولات نقابة الصيادلة ووزارة الصحة لمعالجة مشكلة الدواء المهرب والمزور في الأسواق السورية والذي يقدر البعض نسبته بما يصل إلى 20 %
يقول نقيب الصيادلة، فواز زند الحديد، إنَّ الدواء غير النظامي (المهرَّب) يشمل كلَّ دواء غير مسجّل ومرخّص ومراقب من قبل وزارة الصحة، حتى لو كان فعَّالا، ويتضمَّن أدوية مهرَّبة وأدوية مقلَّدة وأخرى مزوَّرة،
وهذه الأدوية إما أن تحتوي مادة فعَّالة أولا تحتوي المادة الفعالة نهائياً، وقد تحمل أحياناً مواد ضارة بالجسم.
وبالتالي لا يمكن الجزم بأنَّ كلَّ الأدوية المهرَّبة التي تباع تحت طاولة الكثير من الصيدليات السورية، هي أدوية مزوَّرة أو غير فعَّالة.. لكن إن كنا (متفائلين) واستثنينا مانسبته 30 إلى 40 % كأدوية تحتاجها السوق السورية بسبب عدم وجود البديل الوطني أو بسبب تزكية الصيادلة لها (بحسب خبرتهم)، فإنَّ 60 % من الأدوية المهرَّبة أو غير النظامية غير معروفة المنشأ وغير موثوقة الجودة والفعالية، وهي بالإضافة إلى عواقبها الصحية تسيء بشكل مباشر للاقتصاد السوري، لاسيما أنَّ هذه الأدوية تكلِّف المواطن السوري أضعاف ما تكلِّفه الأدوية الوطنية.
تقول الدكتورة ميسون نصري، معاونة وزير الصحة: "لدينا 65 معملا دوائياً تصنِّع 92 % من متطلبات سورية، وتعدُّ الصناعة الدوائية ثاني صناعة استراتيجية في سورية بعد النفط، وتبلغ قيمة الصناعات الدوائية في السوق السورية 500 مليون دولار، وتصدِّر سورية ما قيمته 200 مليون دولار من الأدوية سنوياً"..
وتضيف نصري: "تشغِّل الصناعة الدوائية ما بين 14 و15 ألف عامل، ثلثهم من الجامعيين (أطباء- صيادلة- مهندسون- فنيون) وتنتج نحو 7 آلاف صنف دواء تصدَّر إلى نحو 53 دولة عربية وأجنبية، وتعزِّز الصناعة الدوائية صناعات أخرى في سورية، كالطباعة والتغليف والورق".
ورغم الطلب المتزايد على الدواء السوري عالمياً، ورغم اعتماده من قبل منظمة الصحة العالمية من بين الأدوية المسموح بتداولها، إلا أنَّ نظرة السوريين- لاسيما الأطباء- للمنتج المحلي تبدو قاصرة، وتتَّسم بعدم الثقة، وهذا ما ساعد في انتشار الدواء المهرَّب، وسهَّل في تقبُّله من قبل الطبيب والصيدلي، ثم المريض، لاسيما بعد قرار وزارة الاقتصاد والتجارة الصادر عام 2005، والذي سمح بترخيص معامل أدوية خاصة وفتح الباب للمستودعات والتجَّار لاستيراد الأدوية..
أنواع المهربات
يؤكِّد الصيدلاني (ف. ق) أنَّ أنواع الأدوية المهرَّبة تتنوَّع وتختلف بدءاً من الأدوية النفسية وأدوية السعال والرشح والمسكنات بأنواعها والمتممات الغذائية للرياضيين، إضافة إلى أغذية الأطفال مثل "سيريلاك بطعم التمر".. أما أكثر الأدوية المهرَّبة مبيعاً في صيدليته فهي القطرات العينية..
ويشيرالدكتور فواز زند الحديد، نقيب الصيادلة، إلى إحالة أكثر من 200 مخالفة لصيادلة يبيعون دواء مهرَّباً على مستوى القطر، إلى مجلس التأديب، ويمكن التشدُّد في العقوبة بالنسبة إلى الأدوية النفسية والعقلية لتصل إلى عقوبات قانون المخدرات والتي تتضمَّن السجن عدة سنوات، إلا أنَّ نقيب الأطباء، الدكتور أحمد القاسم، يقلِّل من أهمية هذه الإجراءات ومن محدوديتها، لأنَّ المراقبة في رأيه لا يمكن أن تكون فعالة بوجود اثنين أو ثلاثة من المراقبين الذين ينتظرون الأخبار لكي يتحرَّكوا في مدينة دمشق التي تضمُّ نحو ألفي صيدلية.
الصيادلة من جهتهم لا يرون بُدَّاً من بيع الأدوية المهرَّبة نظراً إلى غياب البديل الوطني أحيانا، وغالبا لأسباب تتعلق بالربح الكبير، أو لأنَّ المرضى يفضِّلون تناول الدواء الأجنبي.. ويردُّ الصيدلاني فادي القاسم عدم ثقة المريض في المنتج الوطني إلى الطبيب الذي ينصح بتناول الدواء الأجنبي، أما المريض فلا يهمُّه السعر أو المنشأ بقدر ما تهمُّه الفعالية والفائدة، مع العلم أنَّ المنتج الوطني بنفس مواصفات الأدوية الأجنبية ويحمل ذات التركيبة.. ويعطي القاسم مثالا عن أسعار الأدوية: "التروكسين وهو دواء للغدة سعر المنتج الوطني منه 96 ليرة سورية بينما الأجنبي المهرَّب فسعره 400 ليرة، أي يعادل ثلاثة أضعاف، والأمر أيضاً ينسحب على الأدوية الأجنبية المستوردة نظامياً".
أما عن منشأ الأدوية المهرَّبة فهي كما يقول الصيدلاني محمد ع: "أغلبها تأتي من لبنان، ويكتب على البعض منها صنع في لبنان، لكن الصيدلاني يستطيع التفريق بين الدواء المهرب الفعال وغير الفعال، من خلال اللون والشكل والسعر".. يضيف محمد: "لكن.. حتى الدواء المهرَّب الأصلي غير مضمون النتائج". وبحسب نقيب الصيادلة، فإنَّ هذه الأدوية إما أن تكون قادمة من خارج القطر مِن معامل نظامية أو مزوَّرة، وأحياناً يمكن تصنيعها في بعض الورشات البدائية داخل القطر، لكن أغلبها يأتي من سفن في البحر مصدرها الصين أو الهند أو باكستان.
وكانت أمانة جمارك اللاذقية قد تمكنت العام الماضي من ضبط ومصادرة كمية كبيرة من الأدوية البشرية المهربة قدرت قيمتها مع الرسوم 555 مليون ليرة والتي كانت ضمن حاويتين مصرح عنها حسب البيان الجمركي على أساس ألعاب أطفال من منشأ الصين ومقصد حلب وأوضح السيد نبيل السيوري مدير عام الجمارك بأنه نتيجة الكشف الفعلي على الحاويات والتدقيق في ماهية البضائع المستوردة تبين أن البيان المصرح عنه على أساس ألعاب أطفال مستوردة من منشأ الصين هو عبارة عن كمية كبيرة من الأدوية البشرية المختلفة المهربة. وتحدِّد نقابة الصيادلة ووزارة الصحة المنطقة الشمالية من سورية كأكثرالمناطق احتضاناً لظاهرة الأدوية المزوَّرة والمهرَّبة، وتحديداً محافظة حلب. أما أكثر الأدوية المهرَّبة رواجاً في السوق، فهي حسب نقيب الصيادلة، العقاقير المخدِّرة والمسكنات وأدوية السعال، كما تنافسها على رأس القائمة الأدوية الجنسية كالفياغرا أو المهيجات النسائية وأدوية الإجهاض.
كانت نقابة الصيادلة- فرع دمشق، أصدرت كتاباً في تاريخ 3/2/2009 تحذِّر فيه الصيادلة من اقتناء المواد المهرَّبة، مثل مادة «الرليف» الممنوعة وغير النظامية، والمتممات الغذائية المهربة، وبعض أنواع العلكة التي تحتوي مادة مهيجة، بالإضافة إلى مستحضرات أخرى من أنواع:
rolif حب و relaxzee حب وrozol 20 كبسول وrifampicin كبسول و malvitoncfort فيتامين حب وcitadin 4 حب وIrondex tran100 امبول
وجاء في الكتاب ذاته، أنَّ هذه الأدوية غير مسجَّلة أصولا وترد إلى القطر بشكل غير نظامي، وكل صيدلي مخالف سيصدر بحقه أقصى العقوبات، وسيحال إلى مجلس التأديب .
لكن عن مدى تنفيذ هذه القرارات والعقوبات بحقِّ الصيدليات المخالفة وهل تكفي الإجراءات الجزائية للحدِّ من هذه الظاهرة، تقول الدكتورة ميسون نصري، معاونة وزير الصحة للشؤون الدوائية: «إنَّ مهمات وزارة الصحة في حال وجود دواء غير مرخص أو مهرب، أن تقوم دوائر الرقابة بسحب الدواء وإتلافه مهما كان نوعه، وحتى لو كان ذا جودة وفعالية».
تجارة مربحة
بحسب دراسة نشرتها شركة «ابوت» العالمية للأدوية، فإنَّ تزوير دواء بقيمة ألف دولار يمكن أن تصل أرباحه إلى 500 ألف دولار، وهذا الهامش الكبير من الربح السهل يغري التجار والمهربين ثم الصيادلة، على الدخول في عملية التلاعب بصحة المواطنين، وجمع الثروة على حساب آلام المواطنين وجيوبهم..
الصيدلاني (ب. ق) يرى أنَّ بعض الصيدليات تشكِّل الأدوية المهرَّبة 70 % من أرباحها، لاسيما في ريف دمشق، والسبب أنَّ الرقابة أخف منها في مدينة دمشق، ويلفت أيضاً إلى أنَّ سعر الأدوية المهرَّبة يشكِّل هامش ربح أكبر منه في الأدوية المستوردة نظامياً، مثل البرونشيكوم وسعره مستورداً 165 بينما سعره تهريباً 200 ليرة سورية، أما إذا كان الدواء مزوَّراً وخالياً من المادة الفعالة والذي يتمُّ تأمينه من مصنِّعين محليين يقومون بتركيبه في ورشات بدائية أو عبر التهريب من لبنان والأردن ومن سفن البحر، فإنَّ هامش ربحه أضعاف مضاعفة؛ حيث يتمُّ تقليد أدوية باهظة الثمن دون أن تكون تكلَّفت أكثر من سعر الكبسولة والبودرة.
أمام هذا الواقع الذي يعترف به الصيادلة والأطباء والمرضى على حدٍّ سواء، تختلف طريقة الحل حسب كل طرف- واضعين بعين الاعتبار معالجة السبب وليس النتيجة- فنقابة الصيادلة تطالب بتوحيد هامش ربح الصيدلي من الأدوية، وهو 10 % على كل أسعار الأدوية المنخفضة والمرتفعة.
أما نقابة الأطباء فتطالب بوضع لصاقة طبية على كلِّ الأدوية محلية الصنع والمستوردة بشكل نظامي، لتمييزها من قبل المواطن وحمايتها من التزوير، وهي لا تكلِّف أكثر من ليرة سورية واحدة على حدِّ قول الدكتور أحمد القاسم، نقيب الأطباء، إلا أنَّ وزارة المالية رفضت الطلب بناء على ضغط من قبل المجلس العلمي للدواء، الذي يضمُّ معامل الأدوية والمستوردين، بحجة أنَّ هذه اللصاقة قد تزيد التكاليف على المعمل.
أما المواطن (الحلقة الأضعف في هذه السلسلة) فيضع آلامه بيد الجهة المسؤولة عن تطييبها قبل احتضاره، ويهمس بأذن المسؤولين في وزارة الصحة، ألا من حلٍّ يوفر الدواء ويضمن جودته بعيداً عن أيدي المهربين وتجار الشنتة؟..
منقول من جريدة بلدنا
في النهاية زملائي أود أن أطرح سؤال هل ستقتني أدوية مهربة لا تعلم أصلها في صيدليتك أم ستعتمد فقط على الأدوية الأجنبية المستوردة أصولاً بواسطة وزارة الصحة و النقابة؟