مدارس القدس ومكتباتها

للمؤلف: محمد عيد الخربوطلي
فتح العرب المسلمون بيت المقدس سنة 17 هـ/638م، وخفَّ إليها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ليتسلمها من أهلها، قاطعاً على نفسه عهداً لله أن يصون أموالهم وكنائسهم ويمنع عنها اليهود، ويرعى حقوقهم، ويحقق لهم الأمن والسلامة. ومنذ الفتح العمري وإلى اليوم يحتضن المسلمون المدينة المقدسة احتضان الأم وليدها، ويَحْنونَ عليها حنوَّ المرضعة على فَطيمها، ولا يعرف في تاريخ الأديان السماوية مدينة ظفرت بما ظفرت به هذه المدينة من تقديس وتكريم وحراسة، وقد أولاها الخلفاء والأمراء والأعيان والعلماء كامل رعايتهم، وأوقفوا عليها معظم الأراضي المجاورة، وجدَّدوا قديمها وزينوه وزخرفوه، كما أسسوا جديداً، حتى أضحت تحفة منقطعة النظير، وذلك لأنها مقر الأنبياء ومهبط الوحي، ومبعث عيسى، ولأنها أولى القبلتين وثالث الحرمين، ولأنها مسرى رسول الله محمد بنص القرآن الكريم. إنها القدس.. ليست المدينة التاريخية فحسب، إنها من أقدم المدن التي عرفها التاريخ، إنها القدس المدينة التي صمدت لنوائب الزمان بجميع أنواعها، وطوارئ الحدثان بجميع ألوانها، حتى أنه لم يبقَ فاتح من الفاتحين أو غازٍ من الغزاة المتقدمين والمتأخرين، الذين صالوا في هذا الجزء من الشرق إلاَّ ونازلته، فإما أن يكون قد صرعها أو تكون هي قد صرعته. إنها القدس المدينة المقدسة المطهرة المباركة. إنها القدس زهرة بلاد الشام وعاصمة فلسطين ومتحف آثارها الدينية، إنها المنارة التي يشع منها نور الهداية والخير، إنها القدس التي لم تمر مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي على اختلاف دوله إلا أقام المسلمون فيها بناءً جديداً، أو أصلحوا بناء قديماً. ففي عهد الخلفاء الراشدين أقام عمر بن الخطاب مسجداً بعدما أزال بيديه ما تراكم على الصخرة من تراب وأوساخ، وفي العهد الأموي بنى عبد الملك بن مروان مسجد الصخرة، وفي عهد الوليد بن عبد الملك بني المسجد الأقصى وأتم ما بدأ به عبد الملك، ثم توالى على تجديده وتزيينه بالنقوش والقناديل والسجاجيد عدد كبير من الخلفاء والأمراء، وفي العهد العباسي بقي الاهتمام بالقدس قائماً، فقد أمر الخليفة أبو جعفر المنصور بإعادة بناء المسجد الأقصى بعد سقوط الأجزاء الشرقية والغربية منه بفعل الزلزال الذي أصاب المدينة سنة 130 هـ/748م، وعندما زار الخليفة المهدي القدس أمر بإعادة بناء المسجد الأقصى من جديد بعدما تعرضت القدس لزلزال أدى إلى تهدم بعض أجزاء المسجد، كذلك فعل الخليفة المأمون فقد أمر بترميم قبة الصخرة، وأما أم الخليفة المقتدر فقد أمرت سنة 310 هـ/913م بصنع أبواب قبة الصخرة الأربعة من خشب التنوب. وكذلك أولى الفاطميون القدس اهتماماً كبيراً خاصة المسجد الأقصى ومنه قبة الصخرة، فقد أمر الظاهر لإعزاز الله سنة 407 هـ/1016م، بإعادة بناء قبة الصخرة كما أعاد بناء المسجد الأقصى سنة 426 هـ/1030م، وجدد المنتصر بالله سنة 458 هـ/1066، الواجهة الشمالية للمسجد الأقصى، كما أنبأنا التاريخ أن الفاطميين بنو المدارس والمشافي في القدس وأهمها البيمارستان الفاطمي ودار العلم الفاطمية. وفي العهد الأيوبي حررت القدس من الفرنجة (الصليبيين) سنة 583 هـ/1187م، فعاد الطابع الإسلامي العربي للمدينة، ومما فعله الأيوبيون في القدس بعد تحريرها، إعادة قبة الصخرة والمسجد الأقصى إلى حالهما القديم بعدما أزالوا ما وضعه الفرنجة فيهما، ووقف صلاح الدين الأوقاف الكثيرة على المسجد، كما أمر بترميم حجرات الأقصى ووضع فيه المنبر الذي صنعه نور الدين في حلب. وبنى الأيوبيون أبنية كثيرة في القدس من مدارس وزوايا ــ وبيمارستاناً عرف بالبيمارستان الصلاحي، وتم ترميم ما تهدم منها وأعادوا بناء السور وحفروا الخندق حول المدينة. ثم تطورت القدس تطوراً ملاحظاً في العهد المملوكي، فأقيمت فيها المؤسسات الدينية والتعليمية، ونالت في عهدهم اهتماماً كبيراً لا يقل عما نالته المدينة ومكة، فمعظم الآثار الموجودة اليوم في القدس هي آثار مملوكية، كما زودوا المدينة بالماء فعمروا قناة السبيل من عين العروب، بالإضافة إلى السُبل والخانات والربط والزوايا والخوانق التي بنوها، فقد بنوا أكثر من عشرين خاناً، واثني عشر رباطاً، وأربعين زاوية وست خوانق، أما مدارسهم فقد بلغت حوالي سبعاً وأربعين مدرسة، لذلك صارت القدس في عهدهم مزاراً للعلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، فعدت من أهم المراكز الثقافية والعلمية في البلاد الإسلامية. ثم جاء العثمانيون فتعهدوها واعتنوا بها وبمقدساتها، فقد جدد السلطان سليمان القانوني بناء قبة الصخرة، وسور المدينة، ورمم القلعة، وبنت زوجته تكية خاصكي سلطان، وعرفت في عهدهم الزوايا والتكايا والخانات، وفي أواخر عهدهم عرفت القدس المدارس الغربية التي كانت سلاحاً بحدين! وجاء من بعدهم الإنكليز الذين وطدوا أقدام اليهود ومكنوهم من قيام دولتهم المزعومة على أرض فلسطين الطاهرة، وبعد رحيلهم عن فلسطين كان اليهود قد صاروا أقوياء وترعاهم الدول الكبيرة، فهجرت أهالي القدس وهدمت كثيراً من أمكنة العبادة والمدارس الأثرية، وهم مثابرون بتهويد كامل المدينة، كما يخططون لهدم الأقصى وغيره من المقدسات الإسلامية والمسيحية. هذه هي مدينة القدس التي يقول عنها (غوستاف لوبون).. إن من يرغب في اجتلاء عظمة القدس وجلالها فليصعد في جبل الزيتون على الخصوص، ثم ليرجع البصر.. ليرى القدس الزاخرة بالقباب والمآذن والأسوار والبروج ذات الشرفات والبيوت ذات الباحات.. مدينة القدس المليئة بالأبنية الأثرية الإسلامية والمسيحية، فقد وجدت فيها الأديرة والكنائس إلى جانب المدارس والمساجد، بل إننا نرى في القدس الكنيسة تعانق المسجد والمدرسة الدينية تعانق الدير، والمكتبة المسيحية إلى جانب المكتبة الإسلامية وترى في مدارس الأديرة الطالب المسلم يجلس إلى جانب الطالب المسيحي.. إنها القدس التي لم تعرف الفرقة أو التفرقة يوماً، إلا عندما دخلها اليهود وأقاموا دولتهم فيها على أنقاض ما بني وعلى أشلاء أهلها. وبمناسبة احتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية، القدس التي لها حق في رقبة كل عربي ومسلم ومسيحي..، فمن حقها علينا أن نوفيها بعض هذا الحق.. لذلك رغبت في أن أكتب عن مدارسها ومكتباتها، فالمدرسة والمكتبة كلٌ منهما مرتبط بالآخر ومتلازم، فبدأت بذكر شيء عن فضلها وما كتب بذلك، ثم أتبعت ذلك بذكر المدارس الإسلامية وباقي معاهد العلم من زوايا وخوانق وربط، وبعد ذلك ذكرت المدارس المسيحية، وفي آخر هذا القسم ذكرت بعضاً من مدارس اليهود، فهي موجودة ولن نستطع إنكارها، وفي القسم الثاني ذكرت المكتبات في القدس وكيف نشأت، ثم ذكرت بعض المكتبات العامة والمكتبات العائلية، وبعض المكتبات الخاصة، كما ذكرت المكتبات المسيحية الموغلة في القدم والحديثة، وشيئاً عن مكتبات اليهود وما يفعلونه بتراثنا المخطوط والمطبوع. إنها القدس التي إن كتبنا عنها الكثير لم نوفها حقها، وكيف نوفها حقها وهي وجع كل عربي ومسلم ومسيحي، وكيف نرد حقها وهي مرجع كل حر! ... ومما ينبغي ذكره أنه تم نشر ضمن مادة المكتبات عبر صفحات شرفات الشام الكثير عن مكتبات فلسطين، خاصة مكتبات القدس، لذلك شجعت أسرة تحرير الجريدة على نشر هذا الكتاب.

تفاصيل كتاب مدارس القدس ومكتباتها

للمؤلف: محمد عيد الخربوطلي
التصنيف: المكتبة العامة -> الثقافة العامة
الدار الناشرة: الهيئة العامة السورية للكتاب
بقلم: محمد عيد الخربوطلي
نوع الملف: pdf
أضيف بواسطة: Y4$$3R N3T
بتاريخ: 20-10-2018
عدد مرات التحميل: 8
مرات الزيارة: 598

عرض جميع الكتب التي أضيفت بواسطة: Y4$$3R N3T
عرض جميع الكتب للمؤلف: محمد عيد الخربوطلي

تحميل كتاب مدارس القدس ومكتباتها للمؤلف: محمد عيد الخربوطلي

اخترنا لك أيضاً

تحميل كتاب زهـرة الرمـان

زهـرة الرمـان

(3)

إن حياتنا المعاصرة فقدت الغنى، وفقدت رهافة الحس، بل صار الإنسان بليداً: فـي الغن

تحميل كتاب سكرتيرة - علي ناصر لـِ: علي ناصر

سكرتيرة - علي ناصر

(2)

لـِ: علي ناصر
سكرتيرة هي مجموعة قصصية للقاص السري علي ناصر، يسجل فيها هموم و مفارقات إنسان الح

تحميل كتاب سدَنَةُ الاغتراب

سدَنَةُ الاغتراب

(17)

سدَنَةُ الاغتراب رسـائل متبادلـة مسّدتُ برفقٍ آخر رسالة كتبها بخط يده المرتعشة،

تحميل كتاب بؤس المعرفة

بؤس المعرفة

(7)

لتحقق من أهمية الجوانب النظرية في الفنون البصرية العربية يستحق العودة إلى الجهود

تحميل كتاب الطريق إلى الصحراء الغربية عبر تل أبيب - يحي أبو زكريا لـِ: يحي أبو زكريا

الطريق إلى الصحراء الغربية عبر تل أبيب - يحي أبو زكريا

(4)

لـِ: يحي أبو زكريا
استكمالا لسلسلة كتبه عن السياسة في المغرب العربي يطالعنا الكاتب و الصحافي الجزائ

تحميل كتاب دون كيخوته دي لا منشا لـِ: ميغيل دي ثربانتس

دون كيخوته دي لا منشا

(0)

لـِ: ميغيل دي ثربانتس
دون كيخوته دي لا منشا يقول ثربانتس إنه كتب رواية دون كيخوته : ‘‘لكي

تحميل كتاب الأعمـال الروائية والقصصيـة حسيب كيالي لـِ: محمد كامل الخطيب

الأعمـال الروائية والقصصيـة حسيب كيالي

(12)

لـِ: محمد كامل الخطيب
يعتمد الأدب كنشاط اجتماعي جمالي على اللغة أساساً في تشكيله وبنائه وفي إيصاله، يع

تحميل كتاب تقارير كاذبة

تقارير كاذبة

(3)

للأديب د. راتب سكر تجربة إنسانية وأدبية حميمة، ذات أبعاد ثقافية وعاطفية. جوهرها

تحميل كتاب جداول المنى - غازي المهر لـِ: غازي المهر

جداول المنى - غازي المهر

(1)

لـِ: غازي المهر
  جداول المنى (ديوان شعر) تأليف: غازي المهر التدقيق اللغوي: د. محمد سعيد الملا

تحميل كتاب البالوع: وقائع الموت و الحياة - أحمد يعقوب لـِ: أحمد يعقوب

البالوع: وقائع الموت و الحياة - أحمد يعقوب

(0)

لـِ: أحمد يعقوب
البالوع هو الاسم الشعبي الذي يطلقه سكان مدينة البيرة على المدخل الشمالي للمدينة

تحميل كتاب الخطايا العشر في رياضيات ما قبل الجامعة - أحمد مرسال لـِ: أحمد مرسال

الخطايا العشر في رياضيات ما قبل الجامعة - أحمد مرسال

(1)

لـِ: أحمد مرسال
قد يتساءل سائل : لماذا اختار الكاتب أحمد مرسال الخطايا ولم يختر الأخطاء ؟ والإ

تحميل كتاب وهج الأربعين - إبراهيم مشارة لـِ: إبراهيم مشارة

وهج الأربعين - إبراهيم مشارة

(1)

لـِ: إبراهيم مشارة
عنوان الكتاب: وهج الأربعين اسم المؤلف: إبراهيم مشارة نبذة عن الكتاب: كتاب نق

أكثر الكتب زيارة وتحميلاً:

أضف كتاباً

سـاهم في إثراء المكتبة العربية

مكتبة ملتقى جامعة دمشق الإلكترونية التفاعلية
أحد مشاريع شركة Shabab SY البرمجية
معا نرتقي...

جميع الحقوق محفوظة لمؤلفي الكتب ولدور النشر
موقعنا لا ينتهك أى حقوق طبع أو تأليف وكل ما هو متاح عليه من رفع ونشر أعضاء الموقع الكرام، وفى حال وجود أى كتاب ينتهك حقوق الملكية برجى الإتصال بنا على [email protected]
الرؤية والأهداف | سياسة الخصوصية | إتفاقية الاستخدام | DMCA