لعل النهضة بالمجتمع والأمة هو أهم ما يجب أن يشغل أوقات الأفراد هذه الأيام كي ننهض فنعود كما كنا , ونسبق غيرنا , ولعلي أخص مقالاً آخر للنهضة أنشره قريباً بعون الله . لكن جعلت المدخل لمقالي هذا النهوض بالمجتمع مع أن فحوى موضوعي عن التفكير , ذلك لأن الفكر إن كان صحيحاً من أشد عوامل سرعة النهوض والتقدم . ففي نظرة سريعة لتاريخ الحضارات نجد أن الأمم كانت تأخذ وقتاً طويلاً لتسود , ذلك لبحثها عن طريق فكري سليم , إلا الحضارة الإسلامية سادت في غضون 85سنة بينما كانت تأخذا الحضارات الأخرى التي قامت على أسس وضعية 3 قرون فما يزيد لتسود . ولذا يجب تصفية الفكر بدقة لتعجيل القيادة . ثم إن ما دعاني لكتابة هذا الموضوع على عجل هو نقاش ودي دار بيني وبين أحد أعضاء المنتدى في أحد المواضيع , ادعى فيها بأن الفكرة "الفلانية" متخلفة و بديهياً بما أنها متخلفة ؛ فتطبيقها تخلف ...
جعلني هذا الأمر أقف قليلاً ,,, أنظر .. ما الأصل في تصنيف الأفكار ؟ كيف اختلفت النظرة عن ذات الفكرة لدى عقل بشري ؟
بعد نقاش طويل وتأمل وجدت بعض الأسباب التي تمثل خلفية الإنسان الفكرية والأساس الأول والمعايير التي ينظر بها للأفكار والأفعال الإنسانية ... يمكنني القول عنها "إنها النظارة التي ينظر بها العقل" !! وكلما كانت هذه النظارة أكثر تطوراً , كانت الأفكار أشد صفاءً ...
كي أسلط الضوء على هذه "النظارة" إن صح التعبير كتبت باختصار مقالتي هذه , بالرغم من أن الموضوع يحتاج إلى تفصيل أشد وأكثر ...
وبالمناسبة فتثبيت استخدام هذه النظارة , نجد الفائدة منها تنقية الأفكار المطروحة داخلنا وحولنا والترويج للأفكار الصحيحة و نقد الأفكار المتوارثة الخاطئة . وعذراً للقارئ الكريم , فهذا الموضوع أوسع من أن نحجمه بهذه الأسطر القليلة , لكن ربما ألمس أهم النقاط , و من أجل الاستفادة سأركز حديثي عن موضوع واحد من مواضيع "النظارة الفكرية" لنحيط به وهو تنقية الأفكار التي تفيد في تقدم المجتمع أو تخلفه , ونجد فيه :
- ميزان العقل وميزان إيديولوجية المجتمع :
لدى بعض الناس تبرز هنا إشكالية مفادها أنه بما أن المجتمع تخلى عن فكرة ما , وترك تطبيقها , لذا يمكن اعتبارها متخلفة . و هنا يكون المنطق ضعيفاً في التصنيف , بل هذا التصنيف لايستند للمنطق , إنما يستند للواقع . والواقع لا يكون صحيحاً دائماً , لذا فالأساس الذي حكمنا به ليس بثابت , وبذا ستكون النتيجة غير ثابتة أيضاً , وبالتالي فربما اعتنقها المجتمع بعد فترة من الزمن , فهل نعود فنزيل عنها تهمة التخلف . لئن قلنا نعم , نكون قد استخففنا بالعقل وجعلناه تابعاً لحركة المجتمع التي تسير وراء ظروف توجهها لا تستند لدين أو منطق أو علم أو نحوهم . وهذا هو ميزان إيديولوجية المجتمع بالحكم على الأفكار . وهو ميزان المطففين ... وويل للمطففين !!! ونكون سقطنا بالميوعة الفكرية التي تتميز بانعدام الضوابط بها ... حيث نستقبل أي فكرة .. لأنها واقع !!! وتصبح الشخصيات بذلك المجتمع اسفنجية تمتص كل ما يعرض عليها . بينما على العقل وهذه وظيفته أن يفكر وينتقد ويعطي الخيارات الجديدة ثم اعتماد المنطقي والعمل على تطبيقه وعلى هذا فالعقيدة الفكرية لأي مجتمع لن يقودها هو , بل ستقودها ظروف وأناس قصدوها , فسار خلفهم بقية المجتمع ,,, مثل هذا المجتمع لن يتطور قطعاً . وهذا أحد أهم المشاكل التي يعاني منها مجتمعنا .
أما ميزان العقل فهو أثبت وأرسخ وأكثر استقراراً , حتى أن كلمة العقل باللغة توحي بالاستقرار , فعندما تقول (عقلت الناقة) أي أثبتها بمكانها . والجاهل"الجهل الذي ضد الحلم" عكس العاقل , فالعاقل والحليم في مكان واحد لدى اللغة ويغلب عليهما طبع الهدوء والاستقرار وعدم الاستثارة . وهنا , في هذا الميزان لكي تدعي أن فكرة ما متخلفة أو غير صائبة , يجب أن تبرهن على ذلك , بدليل حقيقي ثابت , لا يعتمد على أساس ظني , لأن الواقع مظنون به ,فقد يكون صحيحاً وقد يكون غير ذلك . وهنا لا نصفي الأفكار المطروحة بل حتى ما غُرس فينا من قيم من قبل و نثبت الصحيح وننحي الخطأ حتى يمكننا الرقي بهذا العقل المحرك للإنسان .
وكتطبيق مثلاً كان هو محور نقاشي العقلي (لا الديني) مع أحد الأعضاء , حيث ادعى بأن فكرة فصل الجنسين بالجامعات متخلفة , فبحسب قوله أن المجتمع تخلى عنها منذ زمن . فبميزان العقل لا يوجد دليل على تخلفها , ومن لديه فليتحفنا , ولكن بميزان ايديولوجية المجتمع فهي متخلفة . إنما منطقياً لا قيمة لشيء أمام العقل . وهكذا فليكن العقل أولاً في كل أحكامنا ... وللموضوع بقية ....
تحياتي