العولمة..
العولمة.. للأستاذ: ختار ولد الشيباني
يعتبر انهيار سور برلين، وتفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط النظام الاشتراكي والذي كان يتقاسم الهيمنة مع الولايات المتحدة انتصاراً للنظام الرأسمالي الليبرالي والتي أظهرت ما يسمى بالنظام العالمي الجديد الذي يدعو إلى النظام الرأسمالي وتبني أيدلوجية النظام العالمي الاستعماري ــ تحت ستار ...العولمة والتي تمثل مرحلة متطورة للهيمنة الرأسمالية الغربية على العالم.
إن سقوط النظام الاشتراكي أدى إلى تحول العالم من " نظام الحرب الباردة " المتمركز حول الانقسام والأسوار إلى نظام العولمة المتمركز حول الاندماج وشبكات الإنترنت " تتبادل فيه المعلومات والأفكار والرساميل بكل يسر وسهولة" . وانتصار الرأسمالية على الاشتراكية أدى إلى تحول كثير من الاشتراكيين إلى الرأسمالية والديمقراطية باعتبارها أعلى صورة ـ بزعمهم ـ وصل إليها الفكر الإنساني وأنتجه العقل الحديث حتى عده بعضهم أنه نهاية التاريخ.
صحيح أن العالم منذ قرون عديدة يشهد تحولات ملموسة، تدفع كل الشعوب و الدول نحو المزيد من الارتباط و الاعتماد المتبادل، و لكن العولمة تتوافق مع العديد من وسائل الاتصال التي لم تكن موجودة من قبل، بدءا من أسواق النقد الأجنبي، و أسواق رأس المال التي يصل بعضها ببعض على الصعيد العالمي.
لم يكن للعولمة أن تأخذ ملامحها المميزة دون وجود مؤسسات ذات طابع عالمي، و تمتاز بقدر من الفاعلية و المشروعية، مثال ذلك: المنظمة العالمية للتجارة، و كذا مؤسستي بريتون وودز، و كذا الشركات المتعددة الجنسيات.
و قد زاد من ترسيخ العولمة تلك الأطـر و القواعد القانونية ذات النطاق العالمي، حيث تم التوصل إلى العديد من الاتفاقيات الدولية التي تنظم شؤون التجارة العالمية، و التي تنظم الحقوق و الواجبات فيما يخص مسائل الملكية الفكرية، خاصة أن هذه الاتفاقيات يتم إسنادها و دعمها بآليات قوة، لتنفيذها على صعيد الواقع، و هي ذات طابع إلزامي إذ تلتزم بها الحكومة الوطنية.
وعلى الرغم من ازدياد استخدام مصطلح العولمة بين المثقفين في العالم في الآونة الأخيرة بشكل واسع وما نشر من كتب حولها وما عقد من ندوات ومؤتمرات عديدة تناولت مفهومها وجوانبها وتحدثت عن مخاطرها، إلا أن الغموض لا يزال يكتنف هذا المصطلح. خاصة وأن للعولمة جوانب متعددة اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية، ومن خلال ما سبق ذكره، نصل إلى الإشكالية محل البحث و التي نجسدها في التساؤل التالي:
مـا المقصـود بالـعولـمـة ؟
و هذا بدوره بتضمن أسئلة فرعية:
ما هي جذورها التاريخية ؟ و ما هي ظروف انتشارها؟
ما هي التحديات الراهنة للعولمة وأساليب مواجهتها؟
أهم تعريفات العولمة
لفظ العولمة هي ترجمة للمصطلح الإنجليزي (Globalization) وبعضهم يترجمها بالكونية، وبعضهم يترجمه بالكوكبة، إلا إنه في الآونة الأخيرة أشتهر بين الباحثين مصطلح العولمة وأصبح هو أكثر الترجمات شيوعاً بين أهل الساسة والاقتصاد والإعلام وكثرت الأقوال حول تعريف معنى العولمة حتى أنك لا تجد تعريفاً جامعاً مانعاً يحوي جميع التعريفات وذلك لغموض مفهوم العولمة ، ولاختلافات وجهة الباحثين فتجد للاقتصاديين تعريف ، وللسياسيين تعريف ، وللاجتماعيين تعريف وهكذا ، ويمكن تقسيم هذه التعريفات إلى :
التعريف اللغوي: تعرف على أنها تعميم الشيء وتوسيع دائرته لتشمل العالم كله ، كما يرتبط معناها بالانتقال من الجانب الوطني إلى الجانب العالمي ، وهي من الفعل "عولم" على صيغة "فعول" وهي من أبنية الصرف العربية ويلاحظ على دلالات هذه الصيغة أنها تفيد وجود فاعل يفعل .
التعريف الاصطلاحي : تعرف على أنها ظاهرة تتدخل فيها أمور السياسة و الاقتصاد والسلوك والثقافة والاجتماع ، وعلى الراغب في الانسجام في تلك المنظومة أن يقوم بعملية تكييف لاتجاهاته ونمط تفكيره مع قيم وطريقة التفكير التي تتطلبه تفاعلات العولمة.
تعريف:مالكوم واترز مؤلف كتاب العولمة بأنها "كل المستجدات والتطورات التي تسعى بقصد أو بدون قصد إلى دمج سكان العالم في مجتمع عالمي واحد".
ويمكن تعريفها بأنها سهولة حركة الناس والمعلومات والسلع بين الدول على النطاق الكوني. وهناك من يخلط بين مفهوم العولمة والعالمية، إن العالمية تكرس التواصل بين البشر لتحقيق أهداف مادية ومعرفية لكافة البشر، وترفد الخصوصيات والهويات المختلفة وتثريها وهي تختص بحقوق الإنسان والحريات الثقافية والديمقراطية. والعولمة لا تعترف بالدولة أو الوطنية أو القومية وهي تخص السوق والسياحة والتكنولوجيا والمعلوماتية. وتشكل العولمة بهذا المفهوم سلاحاً ذو حدين، فهي خيرة حينما تربط بين الحضارات والشعوب والبلدان متخطية العامل الجغرافي، وجاعلة من العالم قرية صغيرة، محررة الإنسان من كثير من القيود بفضل انتشار الإعلام ووضع المعلومات في متناول كل فرد بما يتيح له الاطلاع على ما يجري في العالم وهو في بيته، فأصبحت ثقافات الشعوب مكشوفة ومنتشرة بسبب العولمة الاقتصادية والثقافية والإعلامية بشكل خاص. وهي شريرة لأنها أدت إلى الهيمنة وسيطرة الأقوياء على الضعفاء والأغنياء على الفقراء فباتت الشركات المتعددة الجنسية هي المسيطرة على العالم، فالاقتصاد العالمي الجديد يعمل على تحطيم الحواجز الاقتصادية والمالية بين الشعوب ليس لهدف إنساني ولكن من أجل مصلحة الشركات العالمية ليس إلا. وفي ظل الاقتصاد العالمي الجديد أخذ التفاوت الصارخ في مستوى التطور يعكس نفسه في التهميش المتزايد لعدد كبير من بلدان العالم لصالح الدول الصناعية القوية، وأدى افتقار الدول النامية لعناصر القوة ووسائل النهضة الاقتصادية من تكنولوجيا وخبرات إلى وقوعها فريسة لعولمة الفقر وتبين معطيات مصادر الأمم المتحدة اتساع الهوة بين أغنى 20% من سكان المعمورة وأفقر 20% منهم، إلى 74 ضعفاً عام 2001. وحسب معطيات العام 2002 فإن 40% من المبادلات التجارية عالمياً تقوم بها الشركات متعددة الجنسية وهي تمتلك 44% من قيمة الإنتاج العالمي فيما تبلغ حصة أفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية 4.6% من مجمل الإنتاج العالمي، وحسب معطيات البنك الدولي فإن حجم الواردات والصادرات للبلدان النامية في انخفاض مستمر، حيث انخفض من 7.6% عام 1991 ـ 1993 إلى 1.9 كما هو متوقع للعام 2004. ويستحوذ (360) مليارديراً عالمياً على ثروة بما يملكه 3 مليارات نسمة أي حوالي ما يملكه نصف سكان العالم وأكثر هؤلاء الأثرياء يعيشون في الدول الصناعية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
كما أن سرعة التقدم في أنظمة الاتصال الدولي، والمواصلات وتطور أنظمة المعلومات والأقمار الصناعية زاد من سرعة الانفتاح العالمي، وأصبح العالم بفضل ثورة الاتصالات والمواصلات قرية صغيرة في خريطة الكون، وأصبحت الهيمنة الثقافية من الدول القوية على غيرها أمراً محققاً.
ولا يقتصر أمر التباين في التعاطي مع عولمة الثقافة على البلدان العربية والإسلامية، فحتى دولة متقدمة كفرنسا تجهد نفسها منذ سنوات وعلى أعلى المستويات الرسمية فيها لإيقاف زحف ما تسميه الغزو الثقافي الأمريكي الذي يجتاح العالم من خلال الأفلام السينمائية والبرامج التلفزيونية والموسيقى وبرامج الكمبيوتر والذي أصبح يؤثر في أذواق وتطلعات الأمم ويهدد الهوية الثقافية للشعوب.
وقد أصدرت كندا قوانين تحظر نشر ونقل مواد أجنبية أمريكية مأخوذة من الأقمار الصناعية عبر حدودها، كما تقوم الكثير من الدول الآسيوية بعرقلة وصول برامج الكمبيوتر الأمريكية بهدف إبعاد ما يبثه الأمريكيون من وجهات نظر سياسية وعادات وما يمكن اعتباره فحشا
تعريف محمد عابد الجابري: العولمة هي عالم من دون دولة ومن دون أمة ولا وطن إنه علم الشيكات والمؤسسات الاقتصادية العالمية والعولمة نظام يقفز فوق الدولة والأمة والوطن نظام يريد رفع الحواجز والحدود أمام المؤسسات والشريكات الاقتصادية المهيمنة على العالم.
تعريف توماس فريدمان: العولمة هي توسيع النموذج الاقتصادي الأمريكي وفسح المجال ليشمل العالم كله أي أن العولمة تساوي إلى الأمركة.
الفرق بين العولمة والعالمية
إن التقابل بين العالمية والعولمة وإيجاد الفرق بينهما فيه نوع من الصعوبة وخصوصاً أن كلمة العولمة مأخوذة أصلاً من العالم ولهذا نجد بعض المفكرين يذهبون إلى أن العولمة والعالمية تعني معنى واحدا وليس بينهما فرق . ولكن الحقيقة أن هذين المصطلحين يختلفان في المعنى فهما مقابلة بين الشر والخير
العالمية : انفتاح على العالم ، واحتكاك بالثقافات العالمية مع الاحتفاظ بخصوصية الأمة وفكرها وثقافتها وقيمها ومبادئها . فالعالمية إثراء للفكر وتبادل للمعرفة مع الاعتراف المتبادل بالآخر دون فقدان الهوية الذاتية
أما العولمة : فهي انسلاخ عن قيم ومبادئ وتقاليد وعادات الأمة وإلغاء شخصيتها وكيانها وذوبانها في الآخر. فالعولمة تنفذ من خلال رغبات الأفراد والجماعات بحيث تقضي على الخصوصيات تدريجياً من غير صراع إيديولوجي . فهي " تقوم على تكريس إيديولوجيا " الفردية المستسلمة" وهو اعتقاد المرء في أن حقيقة وجوده محصورة في فرديته ، وأن كل ما عداه أجنبي عنه لا يعنيه ، فتقوم بإلغاء كل ما هو جماعي ، ليبقى الإطار " العولمي" هو وحده الموجود . فهي تقوم بتكريس النزعة الأنانية وطمس الروح الجماعية ، وتعمل على تكريس الحياد وهو التحلل من كل التزام أو ارتباط بأية قضية ، وهي بهذا تقوم بوهم غياب الصراع الحضاري أي التطبيع والاستسلام لعملية الاستتباع الحضاري. وبالتالي يحدث فقدان الشعور بالانتماء لوطن أو أمة أو دولة ، مما يفقد الهوية الثقافية من كل محتوى ، فالعولمة عالم بدون دولة ، بدون أمة ، بدون وطن إنه عالم المؤسسات والشبكات العالمية .